الأربعاء، 12 فبراير 2014

في بيان رفع الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن





فإذا علمت الآن عظمة كتاب الله من جميع الجهات المقتضية للعظمة وانفتح طريق استفادة المطالب منه فاللازم على المتعلم والمستفيد من كتاب الله أن يجري أدباً اخر من الآداب المهمة حتى تحصل الاستفادة وهو رفع موانع الاستفادة، ونحن نعبّر عنها بالحجب بين المستفيد والقرآن، وهذه الحجب كثيرة نشير إلى بعضها:

1.       من الحجب العظيمة حجاب رؤية النفس، فيرى المتعلم نفسه بواسطة هذا الحجاب مستغنية أو غير محتاجة للاستفادة وهذا من المكائد الأصيلة المهمة للشيطان حيث أنه يزيّن للإنسان دائماً الكمالات الموهومة ويرضي الإنسان ويقنعه بما فيه ويسقط من عينه كل شي‏ء سوى ما عنده، مثلاً يقنّع أهل التجويد بذاك العلم الجزئي ويزيّنه في أعينهم إلى حدّ يسقط سائر العلوم عن أعينهم ..ويرضي أصحاب الأدب بتلك الصورة بلا لبّ ويمثّل جميع شؤون القرآن فيما هو عندهم، ويشغل أهل التفاسير المتعارفة بوجوه القراءات والآراء المختلفة لأرباب اللغة ووقت النزول وشأن النزول وكون الآيات مكية أو مدنية وتعدادها وتعداد الحروف وأمثال تلك الأمور. ويقنع أهل العلوم أيضاً بعلم فنون الدلالات فقط ووجوه الاحتجاجات وأمثالها حتى أنه يحبس الفيلسوف والحكيم والعارف الاصطلاحي في الغليظ من حجاب الاصطلاحات والمفاهيم وأمثال ذلك. فعلى المستفيد أن يخرق جميع الحجب هذه وينظر إلى القرآن من ورائها، ولا يتوقف في شي‏ء من هذه الحجب ولا يتأخر عن قافلة السالكين ولا يحرم من الدعوات الحلوة الإلهية، ويستفاد عدم الوقوف وعدم القناعة إلى حدّ معين من نفس القرآن.

والإشارة إلى هذا المعنى كثيرة في القصص القرآنية، فموسى الكليم مع ما له من المقام العظيم في النبوّة ما اقتنع بذلك المقام وما توقف في مقام علمه الشامخ، وبمجرد أن لاقى شخصاً كاملاً كالخضر قال له بكل تواضع وخضوع: "هل أتّبعك على أن تُعَلِمنِ ممّا علّمت رشدا" وصار ملازماً لخدمته حتى أخذ منه العلوم التي لا بد من أخذها.

وإبراهيم لم يقتنع بمقام شامخ الإيمان والعلم الخاص للأنبياء فقال: "ربّ أرني كيف تحيي الموتى". فأراد أن يرتقي من الإيمان القلبي إلى مقام الاطمئنان الشهودي وأعظم من ذلك أن الله تبارك وتعالى يأمر نبيّه الخاتم وهو أعرف خلق الله بالكريمة الشريفة "وقل ربّ زدني علم". فهذه الأوامر في الكتاب الإلهي ونقل هذه القصص لأن نتنبّه ونستيقظ من نوم الغفلة.

2.        ومن الحجب: حجاب الآراء الفاسدة والمسالك والمذاهب الباطلة، وهذا قد يكون من سوء استعداد الشخص والأغلب أنه يوجد من التبعية والتقليد. وهذا من الحجب التي حجبتنا بالأخص عن معارف القرآن مثلاً إذا رسخ في قلوبنا اعتقاد بمجرّد الاستماع من الأب أو الأم أو من بعض جهلة أهل المنبر تكون هذه العقيدة حاجبة بيننا وبين الآيات الشريفة الإلهية. فإن وردت آلاف من الآيات والروايات تخالف تلك العقيدة، فإما أن نصرفها عن ظاهرها أو أن لا ننظر فيها نظر الفهم..

يرون معارف الأنبياء والأولياء في ما يختص بذات الحق تعالى وأسمائه وصفاته مساوية لمعارف العوام والنساء فيه، بل يظهر من هؤلاء أحياناً ما هو أعظم من ذلك فيقول أحدهم: أن لفلان عقائد عامية حسنة فيا ليت لنا مثلما له من العقيدة العامية.. وهذا الكلام منه صحيح لأن هذا المسكين الذي يتفوّه بهذا الكلام قد أخرج من يده العقائد العامية ويرى معارف الخواص وأهل الله باطلة، فهذا التمنّي منه عيناً كتمني الكفار. وقد نقل عنهم في الكريمة الإلهية "ويقول الكافر يا ليتني كنت تراب". ونحن إن أردنا أن نذكر الآيات والأخبار في لقاء الله بتفاصيلها حتى تتضح فضاحة هذه العقيدة الفاسدة الناشئة عن الجهل والغرور الشيطاني، فيستلزم ذلك كتاباً على حدة فضلاً من أن نذكر المعارف التي وقعت وراء ستر النسيان بواسطة هذا الحجاب الغليظ حتى يعلم أن أحد مراتب المهجورية من القرآن. ومهجورية القرآن ولعلّ الأسف عليها أشدّ هو هذه كما يقول تعالى في الكريمة الشريفة: "وقال الرسول يا ربّ‏ِ إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا".

إن مهجورية القرآن لها مراتب كثيرة ومنازل لا تحصى، ولعلنا متصفون بالعمدة منها. أترى أننا إذا جلّدنا هذه الصحيفة الإلهية جلداً نظيفاً وقيّماً وعند قراءتها أو الاستخارة بها قبّلناها ووضعناها على أعيننا ما اتخذناه مهجوراً؟ أترى إذا صرفنا غالب عمرنا في تجويده وجهاته اللغوية والبيانية والبديعية قد أخرجنا هذا الكتاب الشريف عن المهجورية؟ هل أننا إذا تعلّمنا القراءات المختلفة وأمثالها قد تخلّصنا من عار هجران القرآن؟ هل أننا إذا تعلمنا وجوه إعجاز القرآن وفنون محسّناته قد تخلّصنا من شكوى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ هيهات.. فإنه ليس شي‏ء من هذه الأمور مورداً لنظر القرآن ومنزّلها العظيم الشأن، إن القرآن كتاب إلهي وفيه الشؤون الإلهية. القرآن هو الحبل المتصل بين الخالق والمخلوق ولا بد أن يوجد الربط المعنوي والارتباط الغيبي بتعليماته بين عباد الله ومربّيهم، ولا بد أن يحصل من القرآن العلوم الإلهية والمعارف اللدنيّة، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حسب ما رواه الكافي "إنما العلم ثلاثة: اية محكمة وفريضة عادلة وسنّة قائمة". فالقرآن الشريف حامل لهذه العلوم فإن تعلمنا من القرآن هذه العلوم فما اتّخذناه مهجوراً، وإذا قبلنا دعوات القرآن وأخذنا التعليمات من قصص الأنبياء المشحونة بالمواعظ والمعارف والحكم، إذا اتعظنا نحن من مواعظ الله تعالى ومواعظ الأنبياء والحكماء المذكورة في القرآن فما اتّخذناه مهجوراً، وإلا الغور في الصورة الظاهرية للقرآن أيضاً إخلاد إلى الأرض ومن وساوس الشيطان ولا بد من الاستعاذة بالله منها.

3.          ومن الحجب المانعة من الاستفادة من هذه الصحيفة النورانية: الاعتقاد بأنه ليس لأحد حق الاستفادة من القرآن الشريف إلا بما كتبه المفسّرون أو فهموه. وقد اشتبه على الناس التفكر والتدبّر في الآيات الشريفة بالتفسير بالرأي الممنوع، وبواسطة هذا الرأي الفاسد والعقيدة الباطلة جعلوا القرآن عارياً من جميع فنون الاستفادة واتخذوه مهجوراً بالكلية في حال أن الاستفادات الأخلاقية والإيمانية والعرفانية لا ربط لها بالتفسير، فكيف بالتفسير بالرأي،

        فمثلاً إذا استفاد أحد من كيفية مذاكرات موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام وكيفية معاشرتهما وشد موسى عليه السلام رحاله إليه مع ما له من عظمة مقام النبوّة لأخذ العلم الذي ليس موجوداً عنده وكيفية عرض حاجته إلى الخضر كما ذكرت في الكريمة الشريفة: "هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدا". وكيفية جواب الخضر والاعتذارات التي وقعت من موسى عظمة مقام العلم وآداب سلوك المتعلم مع المعلّم ولعلها تبلغ من الآيات المذكورة إلى عشرين أدباً فأي ربط لهذه الاستفادات بالتفسير فضلاً من أن تكون تفسيراً بالرأي والاستفادة من هذا القبيل في القرآن كثيرة.

 ففي المعارف مثلاً إذا استفاد أحد من قوله تعالى "الحمد لله رب العالمين" الذي حصر جميع المحامد لله، وخصّ جميع الأثنية للحق تعالى التوحيد الأفعالي وقال بأنه يستفاد من الآية الشريفة أن كل كمال وجمال وكلّ عزّة وجلال الموجودة في العالم وتنسبها العين الحولاء والقلب المحجوب إلى الموجودات من الحق تعالى وليس لموجود من قبل نفسه شي‏ء،ولذا المحمدة والثناء خاص بالحق ولا يشاركه فيها أحد، فأيّ ربط لهذا إلى التفسير حتى يسمّى بالتفسير بالرأي أو لا يسمى؟

 إلى غير ذلك من الأمور التي تستفاد من لوازم الكلام ولا ربط لها بوجه إلى التفسير،مضافاً إلى أن في التفسير بالرأي أيضاً كلام لعلّه غير مربوط بآيات المعارف والعلوم العقلية التي توافق الموازين البرهانية وبالآيات الأخلاقية التي فيها للعقل دخل، لأن التفاسير التي من هذا القبيل مطابقة للبرهان المتين العقلي أو الاعتبارات العقلية الواضحة، فإذا كان ظاهر الكلام على خلافها فاللازم أن يصرف الكلام من ظاهره، مثلاً في كريمة "وجاء ربك" و"الرحمن على العرش استوى". التي يكون الفهم العرفي فيها مخالفاً للبرهان .. كما أن أكثر الروايات في هذا الباب وردت في مقابل علماء العامة الذين كانوا يريدون أن يفهموا دين الله بعقولهم ومقايساتهم، وما في بعض الروايات الشريفة من أنه ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن .. فمن غرائب الأمور بل من المصيبات التي لا بد أن يستعاذ بالله منها. ولا يحتاج هذا الكلام إلى التهجين والتوهين وإلى الله المشتكى.

4.          ومن الحجب المانعة من فهم القرآن الشريف، ومن الاستفادة من معارف هذا الكتاب السماوي ومواعظه حجاب المعاصي والكدورات الحاصلة من الطغيان والعصيان بالنسبة إلى ساحة رب العالمين المقدسة، فتحجب القلب عن إدراك الحقائق.

وليعلم كما أن لكل عمل من الأعمال الصالحة أو السيئة كما أن له صورة في عالم الملكوت تتناسب معه فله صورة أيضاً في ملكوت النفس، فتحصل بواسطتها في ملكوت النفس: أمّا النورانية ويكون القلب مطهّراً ومنوّراً وفي هذه الحالة تكون النفس كالمرآة المصقولة صافية، ويليق للتجليات الغيبية وظهور الحقائق والمعارف فيه، وأما أن يصير ملكوت النفس به ظلمانية وخبيثة، وفي هذه الصورة يكون القلب كالمرآة المريّنة والمدنّسة لا تنعكس فيها المعارف الإلهية ولا الحقائق الغيبية، وحيث أن القلب في هذه الحالة يقع بالتدريج تحت سلطة الشيطان ويكون المتصرف في مملكة الروح إبليس فيقع السمع والبصر وسائر القوى أيضاً في تصرف ذاك الخبيث، وينسد السمع بالكلية عن المعارف والمواعظ الإلهية، ولا ترى العين الآيات الباهرة الإلهية وتعمي عن الحق وآثاره وآياته ولا يتفقّه القلب في الدين ويحرم من التفكر في الآيات والبيّنات وتذكر الحق والأسماء والصفات.  كما قال الحق تعالى "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم اذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ"..

5.        ومن الحجب الغليظة التي هي ستر صفيق بيننا وبين معارف القرآن ومواعظه: حجاب حبّ الدنيا، فيصرف القلب بواسطته تمام همّته في الدنيا وتكون وجهة القلب تماماً إلى الدنيا ويغفل القلب بواسطة هذه المحبة عن ذكر الله، ويعرض عن الذكر والمذكور، وكلما ازدادت العلاقة بالدنيا وأوضاعها ازداد حجاب القلب وساتره ضخامة، وربما تغلب هذه العلاقة على القلب ويتسلّط سلطان حب الجاه والشرف على القلب بحيث يطفى‏ء نور فطرة الله بالكلّية وتغلق أبواب السعادة على الإنسان، ولعل المراد من إقفال القلوب المذكورة في الآية الشريفة "أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفاله". هذه الأقفال وأغلال العلائق الدنيوية، ومن أراد أن يستفيد من القرآن ويأخذ نصيبه من المواعظ الإلهية لا بدّ وأن يطهّر القلب من هذه الأرجاس، ويزيل لوث المعاصي القلبية وهي الاشتغال بالغير عن القلب لأن غير المطهّر ليس محرماً لهذه الأسرار قال تعالى: "إنه لقران كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون".

فكما أن غير المطهّر الظاهري ممنوع عن ظاهر هذا الكتاب ومسّه في العالم الظاهر تشريعاً وتكليفاً، كذلك ممنوع من معارفه ومواعظه وباطنه وسرّه من كان قلبه متلوثاً بأرجاس التعلّقات الدنيوية، وقال تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" إلى آخر الآية. فغير المتقي بحسب تقوى العامة وغير المؤمن بحسب إيمان العامة محروم من الأنوار الصورية لمواعظه وعقائده الحقة، وغير المتقي وغير المؤمن بحسب سائر مراتب التقوى وهي تقوى الخاص وتقوى خاص الخاص وتقوى أخصّ الخواص محروم من سائر مراتبها. والتفصيل حول تلك المراتب وذكر سائر الايات الدالة على المقصود موجب للتطويل، ولكن نختتم هذا الفصل بذكر آية شريفة إلهية تكفي لأهل اليقظة بشرط التدبّر، قال تبارك وتعالى: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم".

فخصوصيات هذه الآية الشريفة كثيرة، والبيان حول نكاتها يستلزم رسالة على حدة ليس الآن مجالها.

من كتاب القرآن في فكر الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق