إن المبتغى من خلال تلاوة القران هو ارتسام
صورة القران في القلب، وتأثير
الأوامر والنواهي فيه، وتثبيت الأحكام والتعاليم الإلهية. ولا يتحقق هذا إلا في ظل
مراعاة آداب القراءة. وليس الهدف من الآداب ما هو المعروف لدى بعض القُرّاء من
الاهتمام البالغ بمخارج الألفاظ، وأداء الحروف، هذا الاهتمام الباعث مضافاً إلى
الغفلة عن المعاني والتدبر فيها، إلى إبطال التجويد بعض الأحيان.بل الهدف المنشود
من وراء آداب قراءة القرآن, تلك الآداب التي وردت في الشريعة المقدسة والتي يعدّ من
أفضلها وأعظمها التفكر والتدبر في ايات القران كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
في الكافي الشريف بسنده إلى
الإمام الصادق عليه السلام قال "إِنَّ هذَا القُرْانَ فِيهِ مَنَارُ الهُدى
وَمَصَابِيحُ الدُّجى، فَلْيَجُلْ جَالٍ بَصَرَهُ وَيَفْتَحْ لِلضِّيَاءِ
نَظَرَهُ، فَإِنَّ التَّفَكُّر حَياةُ قَلْبِ البَصِيرِ كَمَا يَمْشِي
المُسْتَنِيرُ فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ"..
وفي المجالس بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام في
كلامٍ طويلٍ في وَصْفِ المتَّقِينَ:
"وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا
إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَاقْشَعَرَّتْ مِنْهَا
جُلُودُهُمْ وَوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فَظَنُّوا أَنَّ صَهِيلَ جَهَنَّمَ وَزَفِيرَهَا
وَشَهِيقَهَا فِي أصولِ آذَانِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِايَةٍ فِيهَا تَشْويقٌ
رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً
وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ"..
ومن الواضح أن من يتمعّن ويتدبر في معاني القران الكريم،
يتأثر قلبه، ويبلغ مقام المتقين شيئاً فشيئاً. وإن حظي بتوفيق وسداد من الله،
لَتجاوز هذا المقام أيضاً ولَتحوّل كل عضو وجارحة وقوة منه إلى آية من الايات
الإلهية، ولعلّ جَذَوَاتَ خطاب الله وجذباته، ترفعه وتبلغ به إلى مستوى إدراك
حقيقة "اقْرَأ وَاصْعَدْ". في هذا العالم وانتهى إلى مرحلة سماع الكلام
من المتكلم من دون واسطة، وتحوّل إلى موجود لا يسع الإنسان فهمه واستيعابه.
الإخلاص في القراءة.
ومن الاداب اللازمة في قراءة القران، والتي لها دور
أساسي في التأثير في القلب والتي لا يكون من دونها لأي عمل أهمية وشأن، بل يعتبر
ضائعاً وباطلاً وباعثاً على السخط الإلهي.
هو الإخلاص، فإنه ركن أصيل للانطلاق إلى
المقامات الأُخروية، ورأس مال في التجارة الأخروية.
وقد ورد في هذا الباب أيضاً أخبار كثيرة من أهل بيت
العصمة عليهم السلام: منها ما حدثنا الشيخ الكليني رضوان الله تعالى عليه:
بإسناده عن أبي جعفر عليه
السلام قال: "قُرّاءُ القُرْانِ ثَلاَثَةُ: رَجُلٌ قَرَأَ القرانَ
فَاتَّخَذَهُ بِضَاعَةً وَاسْتَدَرَّ بِهِ المُلُوكَ وَاسْتَطَالَ بِهِ عَلَى
النَّاسِ. وَرَجُلٌ قَرَأَ القُرْانَ فَحَفِظَ حُرُوفَهُ وَضَيَّعَ حُدُودَهُ
وَأَقَامَهُ إِقَامةَ القَدَحِ، فَلاَ كَثَّرَ اللَّهُ هؤُلاَءِ مِنْ حَمَلَةِ
القُرْانِ. ورَجُلٌ قَرَأ القُرْانَ فَوَضَعَ دَوَاءَ القُرْانِ عَلَى دَاءِ
قَلْبِهِ فَأَسْهَرَ بِهِ لَيْلَهُ وَأَظْمَأَ بِهِ نَهَارَهُ وَقَامَ بِهِ فِي
مَسَاجِدِهِ وَتَجَافَى بِهِ عَنْ فِرَاشِهِ، فَبِأُوْلئِكَ يَدْفعُ اللَّهُ
العَزِيزُ الجَبَّارُ البَلاَءَ، وَبِأُولئِكَ يُدِيلُ اللَّهُ مِنَ الأَعْدَاءِ،
وَبِأُولئِكَ يُنْزِلُ اللَّهُ الغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوَاللَّهِ لَهؤُلاَءِ
فِي قُرّاءِ القُرْانِ أَعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأَحْمَر"..
عن رسول الله صلى الله عليه وآله : "وَمَنْ
قَرَأَ القُرْانَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَتَفَقُّهاً فِي الدِّينِ كَانَ لَهُ
مِنَ الثَّوَابِ مِثْلُ جَمِيعِ مَا أُعْطِي المَلاَئِكَةُ وَالأَنْبِيَاءُ
وَالمُرْسَلُونَ".
"وَمَنْ تَعَلَّمَ القُرْانَ
وَتَوَاضَعَ فِي العِلْمِ وَعَلَّمَ عِبَادَ اللَّهِ وَهُوَ يُرِيدُ مَا عِنْدَ
اللَّهِ لَمْ يَكُنْ فِي الجَنَّةِ أَعْظَمُ ثَوَاباً مِنْهُ وَلاَ أَعْظَمُ
مَنْزِلةً مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الجَنَّةِ مَنْزِلٌ وَلاَ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ
وَلاَ نَفِيسَةٌ إلاَّ وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَوْفَرُ النَّصِيبِ وَأَشْرَفُ
المَنَازِلِ"..
من كتاب القرآن في فكر الإمام الخميني (رضوان الله تعلى عليه)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق